علي الهجويري
302
كشف المحجوب
نرى أن بعض العقلاء ينكرون وجود اللّه ، ويتمسكون بمذاهب التشبيه والتعطيل ، يثبت لك جليا أن معرفة اللّه ليست جبرية . وزد على ذلك أنه إذا كان الأمر كما ذكر ، لزم أن يفسد مبدأ التكليف لأن هذا المبدأ لا ينطبق على الأشياء التي من الضروري معرفتها ، مثل نفس الإنسان ، والأرض والسماوات والنهار والليل ، والفرح والألم ، والأمور التي لا ينكر وجودها العقل ولا يشك فيها ، والتي يلزم أن يعرفها ولو ضد إرادته . ولكن بعض الصوفية ، باعتبار حال اليقين التي يشعرون بها ، يقولون إننا نعرف اللّه بالضرورة فسموا اليقين بالضرورة . فالمعنى صحيح ولكن العبارة قبيحة ، لأن المعرفة الضرورية لا يمكن أن يختص بها إلا الكمل دون غيرهم وبالعكس ، فإنها تخص كل أهل العقل . زد على ذلك أنها تظهر في قلوب الأحياء بدون أدنى سبب أو برهان بينما معرفة اللّه مسببة . لكن الشيخ أبا على الدقاق ، والشيخ أبا سهل الذي كان والدا لسهل إمام نيسابور يريان أن أول المعرفة بالاستدلال ، وأن آخرها بالضرورة ، كما تنال المعرفة بالطاعات ولا تكون ضرورية في النهاية ، كما أجمع على ذلك أهل السنة ، فهم يقولون ألا ترى أنه في الجنة تكون معرفة اللّه تعالى ضرورية ، فلما ذا لا تكون ضرورية في هذه الدنيا ؟ والرسل ، عليهم الصلاة والسلام ، متى سمعوا كلمة الحق تعالى إما مكاشفة منه ، أو عن لسان ملك ، أو كشفا ، يعرفونه بالضرورة ، فأجيبهم أن أهل الجنة يعرفون اللّه تعالى بالضرورة في الجنة لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يخافون العاقبة وآمنون من القطيعة وكل من يعرفه بالضرورة لا يخاف القطيعة ويتمتع باليقين ، الذي يتمتع به أهل المعرفة الضرورية . وكمال المعرفة والإيمان موجود في خفائهما ، فإذا صار كالمشهود كان الإيمان جبرا ، ولا يكون مقصود أعينا ، وبذلك يضعف أساس الدين ، ويثبت أساس الكفر . ولو أن الأمر على ما وصفوا لما أمكن وصف بلعام وإبليس وبرصيصا « 1 » بالشرك
--> ( 1 ) بلعام وبرصيصا كانا عابدين ثم ضلا .